موقع هنا, يوم الإثنين 23/05/2022, اتصل بنا

ما بين الفكر التنويري الابداعي والمحن التي خاضها الموحدون "الدروز"

د. رضوان منصور,
تاريخ النشر 2022/05/03 07:56:34,
عدد المشاهدات 396

ما بين الفكر التنويري الابداعي والمحن التي خاضها الموحدون "الدروز"

بقلم الدكتور رضوان منصور

فكرة التوحيد الالهي وتبلور الفكر الابداعي للنص العقائدي لدى المؤمنين بوحدانية الباري ككل، ولدى طائفة الموحدين "الدروز" بالذات، منذ الحلقة الاخيرة في سلسلتها بعهد الدعوة الاخيرة في القرن الحادي عشر، هي فكرة قديمة العهد، ديناميكية التطور. تحلت بأشكال عديدة الى ان وصلت الى ما هي عليه في الفترة الزمنية الآنية بهيئات تختلف بتصوراتها لشكل وصورة الباري. منهم من يُنزِه الباري عن خلقِهِ ومنهم من يُصوره بهيئة خلقـِهِ ومنهم من يراه كمولود.  السؤال الذي يطرح نفسه، هل التنوير الفكري الابداعي التوحيدي كان سبباً لتعرض الموحدين للمحن والمجازر أم لا؟

إن تعددية التوجهات خلقت حركات فكرية بحثت في ابعاد النص المكتوب مُنقبةً عن تفسيرات باطنية بتوجه عقلاني فلسفي. هذا الانفتاح الفكري ولّد فرق دينية عقائدية ثريةً فكرياً في اتجاهاتها وفي عمقها تفسيراتها الفلسفية، هذا التعدد جلب معه تباين وتنويع فكري. انبثق عن الانفتاح الفكري هذا العديد من الفرق مثل الفاطمية، الاسماعيلية، الصوفية، الاثنا عشرية، المُعتزلة، اخون الصفا، الاشعرية، الافلاطونية الحديثة، وغيرها.

على هذه الخلفية ومن خلالها فُتحت ابواب الدعوة التوحيدية امام من يشاء الانضمام اليها، في خضم اجواء ابداعية التفكير، عقلانية التوجه، فلسفية العمق والتفسير وفي مناخ مليء بالوعي الحضاري وبتحكيم الدماغ والعقل. في هذا التوافق الزمني والفكري، ظهر الحاكم بأمر الله المنصور بن عزيز وكان سادس حاكمي الدولة الفاطمية والذي من جملة افعاله التطويرية انه اسس دار للحكمة واقام حلقات تفكيرية جمع بها اهل العلم والمعرفة بمواضيع شتى وافتتح مكتبة شملت كماً هائلاً من الكتب الحضارية من حضارات سابقة ومن حضارات موازية.

في هذه الاجواء انبثقت دعوة التوحيد المتجددة، دعوة التوحيد "الدرزية" كما عُرفت بالخطء لاحقاً، اتت بأجواء تفكير عقلاني، منطقي، متسامح التوجه.

الا انه مع اختفاء الحاكم بأمر الله تعرض الموحدون "الدروز" لمحن واضطهادات شنيعة ومتعددة بداءً من محنة الدجال (1021- 1026)، محنة الظاهر لإعزاز الدين لله، خليفة الدولة الفاطمية السابع. استهدفت هذه المحنة ابادة الموحدين "الدروز" ابادة عرقية، نتائجها كنت وخيمة حيث خلت مصر، مقر الدعوة التوحيدية من الموحدين او امتنعت عن علنية انتمائها. جاءت هذه المحنة من باب رفض منح الولاء للظاهر ومن باب رغبة الظاهر بالسيطرة وحباً منه بالهيمنة، ولم يكن الجانب الديني والعقائدي وللتفكير العقلاني الابداعي التوحيدي دور او سبب للمحنة. على الرغم من التنكيل ومحاولات الابادة العرقية، الا ان رفض الولاية هذا حافظ على الكيان والمعتقد التوحيدي خلافاً لفرقٍ عقائدية اخرى.

تلتها محنة انطاكيا (1032) والغزوات البيزنطية حتى سنة (1453) والتي شملت ايضاً حلب، جبل السماق، صفد، الجليل والكرمل. في هذه المحن والغزوات تحالف الظاهر ونيكيظا البيزنطي وتنكلوا للموحدين "الدروز" بأشنع الطرق وأفظعها وقتلوا منهم آلافًا، وبعضهم أُبيدوا خنقاً بالدخان جراء اشعال النار على مداخل المغاور والكهوف التي لاذوا بها وبعضهم الاخر ترك بيته وممتلكاته وهاجر الى اماكن اخرى.

محنة انطاكيا والغزوات البيزنطية على مراحلها، هي الاخرى اتت من باب الهيمنة والتعاضد من اجل المصالح المشتركة مثل السيطرة على مناطق وعلى طرق ومسارات ضرورية ومن اجل الاستيلاء على موارد ضريبية. لم يأخذ الجانب الفكري او العقائدي محوراً او مركزاً فيها.

محنة جبل لبنان (1305): على الرغم من كون جبل لبنان استقلالي بمفاهيم عديدة وعلى الارجح لكونه مستقلاً تعرض لاضطهاد عنيف من قتل وتنكيل وتهجير الى حد اخلاء الجبل من سكانه عن يد نائب مملوك دمشق اقوش الافرم في حملة قام بها على رأس 50 ألف محارب من فارس وراجل. قتل الاف من الموحدين "الدروز" منهم عشرة امراء في معركة عين صوفر، قتل، نكَّل وشنع العديد وقبر احياءً أكثرَ من ثلاثمائة نفسٍ من اولاد ونساء وكهول في مغارة نبيه غرب كسروان، حيث سدّ مدخل المغارة بالكلس والحجارة وغطاهم بالتراب ووضح حراسة على مدخلها لمدة اربعين يوماً ليتأكد من هلاكهم. سبب هذه الحملة كان عُزلة واستقلالية مواطني جبل لبنان وخروجهم عن الطاعة وتصديهم لجيشه وعساكره سنة 1300. بما معناه اتت لاستعادة هيبته ولتأمين الطرق التي يسطر عليها الجبل. الاستقلالية التي بناها اهل الجبل لأنفسهم هي السبب الذي ارتآه منفذ المحنة لا الفكر الابداعي التوحيدي المتنور ولا التوجه العقائدي المنفتح.

تلتها مذابح ابراهيم باشا والبطش العثماني على إثر حادثة عكار سنة 1584 التي اسندت للموحدين الدروز بفعلة فاعل عمادة وقصداً. ذبح ابراهيم باشا في هذه المحنة أكثر من ستمائة من الاعيان والشيوخ والقياديين بحيلة منه طالبا منهم الاجتماع بحجة تصفية الحال، جمعهم وغدر بهم ونصب لهم كميناً من عساكره والذي خرج ليلاً وذبحهم وهم نيام (1588). ثم نهب الجيش لعثماني 24 قرية درزية، أعدم ثلاثمائة رجل واسر ثلاثة الاف. تابع ابراهيم باشا مذابحه بإشعال النار بمغارة عش النسر بقلعة نيحا بمنطقة جزين والتي تواجد بها الامير قرقماز ثم سدها حتى مات خنقاً. تعداد ضحايا حادثة عكار تعدى الستون ألف ضحية اضافة الى الدمار والخراب ومحو عشرات القرى. الحجة الافترائية المباشرة لهذه المحنة هي افتراء قصة سرقة الاموال الاميرية التي كانت بطريقها الى الخزينة السلطانية في اسطنبول بعد ان جُمّعت من مصر وسوريا الا ان السبب الحقيقي هو حسد وكراهية الولاة المجاورين لدروز كونهم لا يرضخون للسيطرة العثمانية مثلهم وكونهم يتمتعون بحكم ذاتي شبه مستقل. لم تؤخذ بالحسبان اعتبارات حول دافع الانفتاح الفكري المنير والتوجه العقلاني العقائدي.

بعدها جاءت الحرب الاهلية، حرب جبل لبنان سنة 1860 بدس من قوى خارجية وبسياسة فرّق تسد، والهدف كان المس بالسيادة الدرزية. فرنسا دعمت الموارنه، والامبراطورية العثمانية دعمت المسلمين. أشعلوا نار الفتنة بين المواطنين ودفعوهم للتصدي للسيادة الدرزية القائمة. بدأت الحرب الأهلية بتمرد الفلاحين على الاقطاعيين الا انها سرعان ما لبست ثوب الطائفية، بعد ان تم توطين موارنة مسيحيين في المناطق الدرزية لأسباب سياسية تكتيكية، تستهدف تقليص تعداد الموالين لمشايخ الاقطاع الدروز ولحصر نفوذهم، خدمةً لمصالح الامير الحاكم في حينه. تداعت الاحداث وكثُرت اعمال القتل في نواحٍ عديدة ومتفرقة وعم الاضطراب المناطق الدرزية وشمل حرق بيوت وقُرى وعمليات انتقام وغزو وامتدت النيران والمجازر الى ان وصلت الى حاصبيا، راشيا، جبل لبنان، زحله وصولاً الى الشام، شاملة قتل ونهب ودمار وهجرة، هجرة عائلات برمتها الى صفد والجليل والكرمل. من باب التوضيح انوه الى ان التدوين التاريخي لهذه الواقعة وغيرها من الواقعات التاريخية، يتوافق على الاغلب مع رأي وموقف كاتبها ومع انتمائه الجماعي، من هنا قد نجد نصوصًا تاريخية مختلفة للواقعة الواحدة.

ان صبغة النزاع الطائفي لهذه الواقعة في هذه المنطقة قد اتى من مصالح واطماع خارجية تابعة لدول عظمى، زُرِعت بذورها على يديها وما زالت سائدة حتى يومنا هذا. رغم ان بداية الحرب الاهلية كان على خلفية اقتصادية سيادية ونتيجة لأخطاء امراءٍ تكتيكية.

محنة القرن العشرين محنة الكتائب (1982) كانت استمرارية للعدائية التي زُرعت بذورها في الحرب الاهلية بين الدروز والموارنة. بدأت الاشتباكات العنيفة حين قامت الكتائب اللبنانية والتي تُعتبر مليشيات مارونية حليفة لإسرائيل بمحاولات لتوسيع نفوذها في مناطق رئيسية من الشوف، ذات اغلبية درزية او بمحاذاتها منها: عاليه، دير قمر، سوق الغرب، كفر متى، بحمدون، قبر شمون وغيرها. هذا التوسع اثار حفيظة المواطنين الدروز وسبّب لمواجهات شرسة وشنيعة لا تمت بالإنسانية باي صلة فقد وجد الدروز بعد ان استعادوا تحرير مناطقهم بمعركة الشحار، جثثاً مبتورة الاوصال، لأطفال وشيوخ ونساء، بطون مبقورة وجثثًا مذوبة بالأكسيد، جثثًا مذبوحة وأخرى عارية والى ما ذلك من فظاعة ووحشية.

استهدفت هذه المجازر فرض سيطرة ميلشية كتائبية مارونية على مناطق تحت سيادة درزية تحت غطاء حكومي وبدعم اسرائيلي. لم يكن الدافع يستهدف التفكير الابداعي العقائدي المنير الذي اتى بها الموحدون "الدروز".

ثم محنة السويداء وحضر (2014) في القرن الواحد والعشرين والتي شملت قتل وتنكيل وخطف وقطع طرق وخوض معارك دامية وتفرقة لمنع وحدة الصف المعروفية، كل هذا وغيره بتحريك سياسي حكومي يبغي الولاية للتيار الحاكم.

الخلاصة ان الموحدون "الدروز" منذ نشر دعوتهم في الدور الاخير في القرن الحادي           عشر، كانوا في موقع المطاردة والاضطهاد بغية السيطرة عليهم او على مواقع تواجدهم او طلبا لإدائهم الولاية للحكم المركزي او المحلي إذا صح التعبير المجازي للفترة الزمنية آنذاك. هذه المطاردة  المتتالية وظَّفت لدى الموحدين "الدروز" طرق وآليات لضمان العيش والاستمرارية، فقد سكنوا قمم الجبال يصعب الوصول اليها دفاعاً عن انفسهم، عاشوا ويعيشون في حلقة اجتماعية مغلقة، على الاغلب يحيون في مجتمع منسجم ومتجانس مع نفسه او مع اقلية متسامحة، عاشوا في حكم ذاتي شبه استقلالي عبر العصور اينما حلوا، حافظوا على معتقداتهم الابداعية وعلى الفكر المستنير الذي اتوا به بسرية عميقة وابوا الرد على افتراءات واشاعات وجهت اليهم والى معتقداتهم الا في موقعين رئيسيين وفي زمنين مختلفين وانتحلوا العقائد المحيطة بهم منعاً للظهور والعلنية, حفاظاً على معتقداتهم وخشية التنكيل بهم على خلفية عقائدية متسلطة ثم وضعوا رجالات الدين والعقائد الدينية وقيمها في موقع مبجل وفي محمية تشكل مرجعية وشريحة اجتماعية تسيِّر وتوجّه المجتمع الى المسار الحافظ.  هذه الاليات الحافظة دعمت استمرارية تواجدها خلافاً لفرقٍ دينية اخرى قد انقرضت، الا ان الاليات ذاتها من جهة اخرى شدت نحوها ملاحقات واضطهادات ومحاولات لدحضها، للسيطرة عليها ولفرض الولاء عليها دون الغوص في الوجهة العقائدية او التفكير المستنير الذي اتت به.

تعليقك على الموضوع
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.

استفتاء هنا

لا يوجد انتماء سياسي للطائفة الدرزية وليس لها اي ثقل او تأثير على مجريات الامور في الدولة فما هو الحل؟
  • اقامة حزب سياسي درزي يمثل الطائفة من الناحية السياسية والقيادية
  • ليبقى الوضع كما هو عليه والطائفة موجودة في احزاب مختلفة
  • علينا الانظمام الى المنظومة السياسية العربية لتمثلنا كقوة كبيرة
  • يجب في البداية القيام بتنظيم داخلي لقيادة الطائفة بشكل موحد
مجموع المصوتين : 581
X أغلق
X أغلق