30/11/2017 - 01:52:02 pm
تدريس التراث الدرزي سبيلا لاستمرارية الطائفة وتعزيزها.
د.ابو شعيب فايز عزام

بمناسبة مرور أربعين عاما على تدريس التراث الدرزي

 

تدريس التراث الدرزي سبيلا لاستمرارية الطائفة وتعزيزها.

 

"اناشدكم بحق ما عُرفتم به من اباء وشمم ووعي ومروءة ان يتذكر كل فرد منكم دائما أصله وتراث الطائفة الدرزية وتاريخها وامجادها، وان يرويها لأحفاده وأولاده، ويزرع في أفكارهم ونفوسهم فضيلة التمسك بالقواعد المسلكية والأخلاقية، التي كانت وراء تلك الامجاد الباهرة والتاريخ المضيء، وان تحافظوا على تماسككم ووحدتكم.

 

هذه من بعض وصايا المرحوم الشيخ محمد أبو شقرا شيخ عقل الطائفة الدرزية في لبنان.

 

قال الله في كتابه العزيز: ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة. وقال تعالى: جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا.

 

ان المحافظة على التراث الدرزي المعروفي التوحيدي المتفرد يسترشد بهذه الحكمة السامية ليكون شعاعا من

ألوان البشرية، وليشكل رافدا من روافد المجتمع الانساني تنوعا وابداعا وتعايشا، في وحدة إنسانية متناغمة، مضيفا عليها جمالا وسموا. 

 

لقد حافظت الطائفة التوحيدية على كينونتها طيلة الالف سنة الماضية: 

 

فما هي العوامل التي كونت وبلورت وحافظت على هذه الكينونة: 

 

الدين هو اول واهم عامل في خلق الهوية الدرزية والكيان التوحيدي وبلورتهما واستمراريتهما.

 

ومع كونه العنصر الأساسي في خلق الخصوصية وحفظها وتنميتها فهو غير قادر لوحده على حفظ كيان الطائفة، خصوصا ان معظم افراد هذه لا يعرفون عن أمور دينهم وعقيدتهم الا القليل او لا يعرفون شيئا. ولأنه كما قال المرحوم الزعيم المعلم كمال حنبلاط في كتابه هذه وصيتي: فنحن لا يربط بيننا رابط الدين فقط بل علاقاتنا الاجتماعية وعاداتنا وثقافتنا وهي أكثر ما يميزنا نحن الدروز عن غير الدروز."

 

والعوامل الأخرى: حفظ الاخوان، التاريخ المشترك الحافل بالمحن والنضال، عقيدة التقمص،النظام الحمائلي القبلي التربية التقليدية البيتية والاسرية والديوان، اللغة العربية، القصص والحكايات والشعر الشعبي، ثم انغلاق المجتمع الدرزي بما فيه من: غلق باب الدعوة وعدم قبول مؤمنين جدد، تحريم الزواج من خارج الطائفة، سكنى الجبال والمناطق النائية.

 

ان هذه العوامل مجتمعة كونت عشيرة كبيرة كما يحلو للبعض تسميتها، تربط بين افرادها أواصر ووشائج ازدادت مع الزمن قوة ومتانة، تعدت الزمان والمكان.

 

لقد ظهر واضحا ان الاعتماد على هذه العناصر والعوامل التي حافظت على الطائفة الدرزية كجماعة لها خصائصها وميزاتها خلال ألف سنة من حياة الطائفة لم تعد قادرة وصالحة ان تؤدي نفس الدور الذي ادته سابقا.

 

وذلك عائد الى التغيرات التي طرأت على المجتمع الدرزي كما على كثير من الشعوب في العالم الثالث والاقليات الاثنية والقومية، مثل اتساع التعليم وانتشار وسائل الاتصال الجماهيرية والاختلاط مع الاخرين وثقافاتهم وتأثير الحضارة والثقافة الغربية والتيارات السياسية والاقتصادية وتغير سبل العيش والعولمة والثقافة العلمانية وتقليص تأثير العائلة والتربية البيتية والدينية ومزاحمة اللغات الأجنبية للغة الام العربية.

 

وان طالت هذه المؤثرات والتغيرات النابعة عنها جميع الدروز، فأنها كانت أكثر تفاقما وتأثيرا وخطرا على دروز إسرائيل، بسبب قلة عددهم واختلاطهم السريع بالدولة العبرية الغربية، وانخراطهم في المرافق المختلفة العلمية والاقتصادية السياسية والحزبية فيها، وعدم وجود المرجعيات العلمية والثقافية والدينية التي تفهمت ووعت المشكلة.

 

هذه العوامل سببت تغيرا في القيم والأخلاق وابتعادا عن الآداب المرعية والعادات المتعارف عليها وأدت الى اهتزاز الشعور بالانتماء للدين والطائفة والى تخلخل الهوية الدرزية.

 

اثار هذا الوضع الجديد لدى فئات المثقفين والشباب تخوفا ان يؤدي بالأجيال القادمة ان لم يتلافى خطره، الى حد الانصهار في مجتمع الأكثرية وضياع الكيان الروحي الدرزي.

 

فمنذ سنوات الستين توصلت هذه الفئات ان الحل يكمن في اكساب النشء الجديد ما يحفظ هويته ودينه وقيمه وشخصيته. وراوا ان المدارس الرسمية هي المكان الأنسب، سيما ان هذه المدارس تزود ابناء الطوائف الأخرى بمبادئ دينهم وتاريخهم. وان الدرزي بالمقابل لا يتعلم شيئا عن دينه بسبب السرية، ولا يسمع عن الدروز خلال دراسته المدرسية. واعتقدوا ان الصيغة الممكنة هي قيام المدارس الرسمية بهذه المهمة، لان الاسرة قد فقدت اليوم الكثير من وظائفها التربوية والدينية بحكم انشغال الاب والام التي كانت عماد التربية التقليدية والدينية، ولانحسار دور الجد والجدة والعائلة الموسعة والحمولة، وتقلص دور المؤسسات التقليدية كالشيخ والديوان والمضافة أيضا. ولعدم وجود مؤسسات أهلية درزية تربوية او اجتماعية في سن التعليم او بعده قادرة ان تفي بالغرض وتتبنى هذه المهمة.

 

ونتيجة لضغوطات من منظمات شبابية ومثقفين دروز بإيجاد حل لهذه المشكلة مثل منظمة الشباب الدروز برئاسة المرحوم سلمان ذيب فرج ومجلة الهدى، وبعد تقرير لجنة بن دور التي عينها السيد شموئيل طوليدانو مستشار رئيس الحكومة اسحق رابين ولجنة شخترمان التي اقامتها الكنيست، وخاصة بعد نمو التعددية الثقافية والدعوات لحفظ تراث الأقليات الدينية والقومية الاثنية في العالم. وافقت الحكومة الاسرائيلية سنة 1975 على هذا المطلب ولتحقيقه انشات دائرة خاصة للتعليم الدرزي كُلّفت بتحقيق هذا المطلب.

 

تزامن ذلك مع قرار الحكومة استنادا الى توصيات اللجنتين اخراج معالجة شؤون الدروز من الدوائر العربية ودمجها في الدوائر العامة. فأقيمت لجنة المدراء العامين لمعالجة شؤون الدروز برئاسة السيد عاموس عيران مدير مكتب رئيس الحكومة وعين المرحوم الدكتور سلمان فلاح مديرا لها. ثم أقيمت لجنة المعارف والثقافة للدروز وتراسها أيضا سلمان فلاح واخذت على عاتقها أعداد مواد تعليمية لتقوية الهوية الدرزية.

 

وما ان عُين سلمان فلاح لهذا المنصب حتى قامت معارضة لها، قادها السادة كمال منصور ستشار رئيس الدولة وبروفيسور نجيب نبواني مدير دار المعلمين العربية والمرحوم المفتش كامل فارس، بدعم من السيد اوري طهون مستشار وزير المعارف يغئال الون. فعين كامل فارس مفتشا عاما للوسط الدرزي في الجليل والكرمل التابعين للوائي الناصرة وحيفا.

 

استطاع سلمان فلاح فيما بعد فصل مدارس الجليل التابعة لواء الناصرة عن كامل فارس وعين بدله مفتشا يهوديا اظن انه ابراهام معلم المقرب من وزير المعارف زبولون هامر من حزب المفدال. وظلت المنافسة قائمة بين سلمان وكامل في مدارس عسفيا ودالية الكرمل التابعتين للواء حيفا بإدارة يوسف غولدشتاين.

 

وسنشرح في مقال لاحق كيف اختيرت هذه المواد وكيف أُعدت.

 

 

الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
ما هو رأيك ؟

X أغلق
X أغلق