18/01/2017 - 05:29:01 am
النساء يحكمن جزر بيجاغوس
موقع هنا

أنتِ يا مَن تحلمين بالسيادة، سيدتي، في البيت والقرية والمجتمع، اعلمي أن ثمة مكاناً على "اليابسة" يتحقق فيه حلمك يومياً، ليومنا هذا. لكنه ليس عندنا، ولا حتى في أوروبا أو أميركا. بل في أرخبيل جزر بيجاغوس Bijagos، العائد لدولة غينيا بيساو (في غرب أفريقيا)، حيث لا يزال المجتمع "أمومياً"، مثلما كانت عليه مجتمعات أفريقيا قبل آلاف السنوات. هناك، الفتاة هي التي تختار من ترغب بالزواج منه. وفي أي وقت، إن جزعت منه لسبب ما، قد تصرخ في وجهه: "أنتَ طالق". ولن يرحم المخلوع أي استئناف أو نقض. فـ"القضاء" نسائي أيضاً، حيث تدير النسوة مجالس قضاء أشبه بـ"محاكم" قبلية بدائية.

 

الأدوار مقلوبة تماماً. فمثلاً، يتألف مجلس جمعية قرية إيتيوغو من عضوية نسوية بحتة، من بين "حكيمات" الضيعة، بينما يقوم "سكرتير" الجمعية بتدوين ما يبتّنَّ فيه من مسائل ويتخذنه من قرارات وتوصيات. وهو زوج رئيسة الجمعية، التي يبدو أنها "توسطت" لتعيينه في منصب السكرتير. لكنه يجد الأمر طبيعياً، هو الذي تربى منذ ولادته على فكرة أن مكانة الذكور ثانوية. هكذا، عن سلطة زوجته واتخاذها القرارات العائلية، تجدونه يتحدث بعفوية تامة، من دون أي شعور بحرج أو "مركب نقص". فتسلط الأنثى تقليد قديم في تلك الجزر، مسلـم به بقدر ما تسلم مجتمعات أخرى بـ"قوّامية" الذكر.

بل يزهو السكرتير فخراً بكون زوجته رئيسة الجمعية، وهي أشبه بـ"مجلس بلدي" ينظم شؤون الرعية من خلال اجتماعات دورية. تارة يطلبن الحصول على تمويل لشراء قارب جديد مزود بمحرك، لتسويق الحصير المنتج في القرية وتسهيل بيع غلالها ومقايضتها بأغذية ومواد ضرورية. وتارة يقررن وضع سياج معدني مشبك حول البساتين لحمايتها من الحيوانات البرية والسرقة، أو يصدرن توصيات بتجهيز المزارعات والمزارعين بجزم مطاطية لتفادي لدغات الثعابين وخدش الأشواك، أو يطالبن السلطات الصحية المركزية بتزويد القرية بجرعات اللقاح المضاد للملاريا، وما إلى ذلك.

 

في جزر بيجاغوس، وعاصمتها بولاما، تضطلع ربة البيت بالمهمات الداخلية والخارجية معاً، وتشكل السلطة المحلية والمركزية في آن. فهي التي تحدد موعد حراثة الأرض وبذرها، ووقت الحصاد والقطف، وكيفية تسويق المحاصيل. وهي التي توعز للزوج والأبناء بإنجاز هذا العمل أو ذاك. للإيضاح، يكفي تخيل أسرة تقليدية ريفية عربية في قرية ما، ثم قلب الأدوار، أي تخيل الأم مكان الأب، والعكس بالعكس، للحصول على صورة تقريبية للتسلسل الهرمي الأسري في قرية من الأرخبيل، الذي يبلغ عدد سكانه الوثنيين نحو 35 ألفاً. ويحيا هؤلاء حياة كفاف عسيرة من أجل البقاء، قاطنين في أكواخ من الِّلبن الأحمر (الطين المخفور)، مغطاة بسقوف من التبن والحشفة، تفتقر طبعاً إلى الماء الجاري والكهرباء.

وإذا كانت أريافنا لا تخلو من أخوة وأخوات غير أشقاء، من أب واحد وأمهات عدة، فالعكس يحصل في بيجاغوس. إذ لا يندر أن نجد عوائل مؤلفة من أطفال عديدين من الأم نفسها، إنما من أبوين مختلفين أو أحياناً أكثر، بما أن من "صلاحيات" الزوجة تطليق زوجها والاقتران بآخر. وعلى الغرار نفسه، مثلما يتخذ بعض المتزوجين في مجتمعات غربية عشيقات، يحصل أن تتخذ بعض نساء بيجاغوس عشاقاً سريين، بينما ينهمك الأزواج، وهم "في عهدتهن"، في أعمال الحقول المضنية. ومثلما تشكو الكنة في مجتمعات أخرى من فظاظة الحماة، في بيجاغوس لا يندر أن يتذمر الصهر، أو لنقل الـ"كَن"، من قسوة حماته. وربما يظل الأمر الوحيد الذي لا تطلبه الزوجة أو أمها منه، هو أن يحمل وينجب بدلاً عنها.

 

الاسم الكامل :
مكان الاقامة :
التعليق :
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
ما هو رأيك ؟

X أغلق
X أغلق