الشيخ يوسف أبو سيف : وزّعت التين على نية الخير
فاجأ الشيخ يوسف أبو سيف المعتدين عليه برباطة جأشه. فاجأهم وفاجأ كل اللبنانيين بتلك الابتسامة التي اعترت وجهه، حين كان يحاول عدد من البلطجيين في صيدا إهانته.
"دقّيتوا فينا فوق، هون معاش تبسّط، هلأ كلام عم نحكي". "دقيّتوا"، من نحن؟ المقصود الدروز. "فينا"، من أنتم؟ "المقاومة؟ "هلأ كلام"، التهديد واضح بأنّ من لا يفهم بالحكي سريعاً سيتمّ الاعتداء عليه.
مقابل كل هذا، كانت ابتسامة. ومن يعرفون الشيخ يوسف سيف، يقولون إنّ وجهه أصلاً بشوش. قد يكون قد ارتعب من كل هذا، فتلطّى وراء ابتسامته. قد يكون تصرّف بطبيعيته، كما يعرف. فابتسم. هي ابتسامة بمئة ألف بلطجي، بمئة ألف شبيح، بمئة ألف مسدّس وبندقية. بمئة ألف صاروخ. كان يبيع التين في صيدا بعد ظهر يوم الجمعة الماضي، بعد توقيف مواطنين راجمة صواريخ تابعة لحزب الله في بلدة شويّا الجنوبية. بزيّه الدرزي، بات عنوان الانتقام، جرّ عنوان ثأر آخر حصل في عاليه من خلال الاعتداء على فانات "شيعية". ما كل هذا الانحطاط؟ ما كل هذا الحقد؟ ما كل هذا الهراء؟ ما كل هذا التخلّف؟ ما كل هذا الافتراس؟ والافتراس صفة من الصفات الحيوانية.
الشباب أخوتي
يقول الشيخ يوسف أبو سيف، في اتصال مع "المدن"، ولدى سؤاله عما حصل، إنّ "هؤلاء الشباب أخوتي في لبنانيّتي، وأخوة كل الناس في لبنان". يضيف أنّ تعميم هذه الصورة "جزء من مهام الزيّ الذي نلبسه وهكذا تربيّنا في طائفتنا الكريمة، ومن يضربك على خدك الأيمن أدر له الأيسر".
يتابع مشيراً إلى "إني إبن صيدا، الجنوب، عكار، زحلة، بيروت، وكل لبنان، عيب على بلد أن يعتدي على شخص، وعيب على شخص أن يعتدي على بلد، كلنا نأتي ونرحل من هذه الدنيا، لكن بلدنا باقٍ، أنا آخر همّي نفسي، الهم هو البلد، ما ورثناه عن أجدادنا وما سنورثه لأبنائنا".
وزّعت التين
في معرض الاتصال، يشير الشيخ أبو سيف إلى أنهّ "لا ثمن أكبر من الثمن الذي يدفعه كل اللبنانيين اليوم". يضيف أنّ تم الاتصال به لعقد مؤتمر صحافي علني للاعتذار منه. وحضر شبان أيضاً للاعتذار منه، "لا أريد أن يعتذر أحد مني كشخص، اتركونا من كل ذلك، هويتنا اللبنانية هي الأساس". كان ينوي التوجّه إلى صيدا اليوم مجدداً من أجل بيع التين، لكن المحصول غير كافٍ. سيعود إلى صيدا والنبطية وبيروت وأينما كان للعمل. لن يوقفه ما حصل. يوم الاعتداء عليه، "وزّعت التين الذي كنت أحمله على نيّة الخير، وزّعتهم في صيدا".
يختم الشيخ يوسف أبو سيف حديثه بالقول إنه "لا أنحني إلا أمام العلم اللبناني". ثمة من رأى فيه فقط زيّه، فاعتدى عليه. وثمة من رأى في الفانات الآتية من البقاع باتجاه بيروت، شيعة. لم يروا عجوزاً يبيع تين ويسترزق. لم يروا شاباً يحاول جمع آلاف الليرات للعيش. هم مصنّفون. قلنسوة وشروال، دزري لا أكثر. سائق فان قادم من بعلبك، شيعي لا أكثر. قد يكون الشيخ الدرزي من أنصار محور الممانعة والتصدي والصمود. لا مكان لهذا الخيار. قد يكون سائق الفان غير مهتمّ بالسياسة وحياته مدمّرة بفعل سطوة ثنائي حزب الله وحركة أمل على الدولة والمجتمع والخدمات. لا مكان لهذا الخيار أيضاً. البلد يعود إلى حظائره الطائفية والمناطقية، كفعل مقصود وملعوب من المنظومة الحاكمة.
وفي هذه المزارع، لا مكان لخطاب التعايش. ولا مكان فيه لسموحة الشيخ يوسف أبو سيف وابتساماته أيضاً.
المسموح فقط ربما تلك الابتسامات الصفراء السامّة لسياسيينا.






