موقع هنا, يوم الجمعة 16/04/2021, اتصل بنا

لماذا علينا الموت بكورونا ؟: وحشة نفق بارد بلا يد والكثير من الدموع

كمال عدوان,
تاريخ النشر 2021/02/11 19:43:33,
عدد المشاهدات 688

لماذا علينا الموت بكورونا ؟: وحشة نفق بارد بلا يد والكثير من الدموع

الموت في زمن كورونا وجع مضاعف وكأن لعنة اللعنات حلّت على علينا لتزيد شقائنا شقاء، الدخول إلى المستشفى في زمن "الكورونا" مشقة ومذلة على امل ان لا تقضي ما تبقى لك من أيام في غرفة العناية المركزة ، يتصلّ كل من يعرفك، يرجو ويأمل بخروجك منه بالسلامة

لم أفهم كيف ينام من كان يسابق الأيّام؟ كيف يغفو من كان يفاجئنا بزيارته بعد منتصف الليل؟ حاملاً "الاشياء الطيبة" والضحكة لا تفارقه.. كيف يخذله قلبه؟ قلبٌ اتسع لكلّ هذا الحبّ وكلّ هذا الكرم، كيف يغلبه فيروس خبيث لا يُرى؟ كيف يهزم الموتُ من هزمه بالأمس وتفوّق عليه ، فلم يجزع ولم يخف ولم يفقد تمسّكه بالحياة؟

أيُعقل أن يستسلم بعد أقلّ من أسبوع واحد في العناية المركزة؟ كيف رحل من دون أن نودعه، من دون أن يكون محاطًا بالناس كما أحبّ وفعل.. رحل وحيدًا في لحظة يهاب كلّ مولود أن يواجهها وحده!

الحرقة عميقة كبئر طافت حتى أنها لم تعد تتسع لقطرة ماء واحدة نبلل بها شفتيه في تلك اللحظة الرهيبة. ولا يد مُحبّة دافئة تدفع برد الموت، تبعده ولو لثوانٍ لتشعره بالأمان قبل العبور الأخير.

وفاة عزيزاي شخص كان يهز العائلة، يهزها جميعها ويفقدها توازنها . كل شخص كان في حياته وكانت "الدنيا مش واسعته" ياتي فراقه المفاجئ، والألم الكبير الذي رافقه، يعيد إلينا ألم الفقدان ، وداع دون يد وكثير من دموع الحسرة والالم.

وجع كبير هادر، دافق كنهر يبحث عن شقوق صغيرة، ليسرّب منها القليل من زخمه، من غضبه، من بركان حزنه.. لهيب يحرق بلا رحمة ويدمي بلا جراح مرئيّة.

ألم مراسم الدفن تشعر بغربة ووحشة ، كأنك تسير داخل نفق بارد لا تكسر عتمته يد قريب، لا دمعة صديق يواسيك بحضوره، يسندك في لحظة ضعفك ، تتألم بصمت، تكظم وجعك أمام من استطاع الحضور من أفراد العائلة، مبتعدًا عنهم خوفًا من الخبيث اللا مرئيّ، كمن ينظر إلى حوت يبتلع أحباءه الواحد تلو الآخر ويكتفي بالمشاهدة ،  قمّة الإحساس بالعجز!

حين يقترب الموت منّا إلى هذه الحدود نتغيّرلا نعرف كيف نتعامل معه ولا ماذا نصبح بعده ، لا نعود كما كنّا ، نتشظّى من الداخل ، كإناء زجاجيّ تلقى ضربة قاضية لكنه يحافظ على تماسكه الخارجيّ.

ندّعي أننا بخير، نتمسّك برتابة حياتنا اليوميّة بحثًا عن سكينة ، نعيش بالذكرى وعلى الذكرى ، نحاول تأطير الألم، ليتحوّل مع الأيّام إلى أيقونة نحملها في قلوبنا، نتحسّسها من وقت لآخر لنطمئن أننا لم ننسَ ،  لم نفقد الاتّصال بهم.

لعل أقسى ما في الموت نهائيته، لا يراعي،  لا اعتبارات عنده، ودائمًا مستعجل يأتي كصفعة على الوجه، كلص يسرق جنى العمر. كقاتل يغدر بضحيته.

الموت تتويج لرمزية الطبيعة البشرية، فجأة تُختصر السنوات مهما طالت أو قصُرت بكلمة واحدة: "كان" ويكتمل معنى الـ"كان" ولا يعود ناقصًا إطلاقًا كل شيء يكون "قد تمَّ".

الموت راحة لصاحبه "راحة أبديّة"، "حيث لا بكاء ولا صك أسنان" وهو ألمٌ ما بعده ألم للأحياء ، هو عبرة لمن بقي ليشهد عليه، ليعاين مفاعيله  ليتجرّع وجعه ومُرّه حتى آخر الكأس ، والكأس هي ما يتبقّى من العمر الموصوم بالحدث الجلل حتى آخر رمق حياة.

الموت لا يُنسى، ولا نتخطاه  فقط نتأقلم مع العطب الذي يسبّبه.

يأتي الموت ليذكّرنا بهشاشة وجودنا وفراغه.

يأتي كمخرز يخترق كياننا ليعيدنا إلى محدوديتنا البشرية، ليبيّن لنا قلّة حيلتنا ونقص تدبيرنا، فنغدو أطفالًا أفلتت منهم يد أمهم، فيبحثون عنها متلهفين مغمضي العيون، جلّ ما يبحثون عنه لحظة دفء وأمان وثقة.

ثقةٌ وحده الإيمان مصدرها وسبيلها فالأهم ألاّ نفقد الصلّة مع من سبقونا.

درب الإيمان طويل وصعب ومليء بالأسئلة المشكّكة، ليس في العلاقة مع الله وحده، بل أيضًا في الذات، وهي الأصعب.

كأطفال كبار نريد إجابات واضحة ودقيقة: لماذا حدث ذلك؟ من المسؤول عمّا جرى؟ لو اتّخذنا خيارات مختلفة، هل كنّا تفادينا اللحظة الرهيبة؟ هل أخطأنا في خياراتنا؟ هل نحن المسؤولون بطريقة ما؟

وتكرّ الأسئلة والتساؤلات العقيمة والمحبطة، حتى تصل إلى المتوفى نفسه، نودّ أن نسأله، أن نعرف منه، نريد منه أن يخاطبنا ولو لمرة أخيرة.

نبحث عمن نحمّله وزر الألم غير المحتمل ، ونكتشف أن الموت هو الموت ، ولا حول لنا ولا قوّة تجاهه سوى قبوله. وبلغة إيمانيّة التسليم بمشيئة الله والصلاة من أجل قبول إرادة "تستفزنا" بتوقيتها ، دائمًا نرى التوقيت غير ملائم.

في مواجهة الموت نبدأ في رسم صور عن الحياة "فوق" أو "هناك".

فضولنا يريد أن يطمئن على من سبقونا: ترى ماذا يفعلون؟ هل عندهم مهمات ووظائف؟ كيف يقضون نهاراتهم؟ وهل أيامهم كأيامنا محكومة بليل ونهار، وهم في حضرة مَنْ أوجد الشمس والكواكب والأجرام؟

عقلنا بقدراته المتواضعة والمحدودة يجهد ليفهم ما هو فوق الطبيعة، فوق القدرة البشرية فهو خالقهما ، وصانعهما ، نحاول أن نفهم ، نبحث عن سلام ، عن سكينة ، الأغلبية بيننا يجدانهما في الصلاة ، في الدعاء والترحم على الميت، أداة التواصل الفضلى مع كل من سبقونا ، لكن ذلك لا يعني أننا إن صلّينا لن نحزن، أو نشتاق، أو نتألم للفراق.. وكل فراق جديد ينكأ جميع الآلام السابقة، وجميع الفراقات المريرة السابقة.

أمام كلّ حزن فائق تتلاطم في داخلنا الأفكار، كمنارة معزولة قرب شاطئ صخريّ تتلّقى صفعات الموج بلا رحمة في ليلة ظلماء...

غالبًا ما يترافق الموت بشعور غامر بالظلم ، نشعر أن الحياة ظلمتنا بهذا الفقدان، نثور، نغضب، نتعب، نستكين إلى الأمر الواقع، نلجأ إلى الصلاة ونسأل: هل تحزن السماء لأحزاننا؟

واذا الموت في زمن الكورونا هو من جراء فيروس ننقله نحن البشر لبعض وهنا نعاود السؤال لماذا علينا الموت بكورونا  بوحشة نفق بارد بلا يد والكثير من الدموع ؟

 

 

 

تعليقك على الموضوع
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.

استفتاء هنا

لا يوجد انتماء سياسي للطائفة الدرزية وليس لها اي ثقل او تأثير على مجريات الامور في الدولة فما هو الحل؟
  • اقامة حزب سياسي درزي يمثل الطائفة من الناحية السياسية والقيادية
  • ليبقى الوضع كما هو عليه والطائفة موجودة في احزاب مختلفة
  • علينا الانظمام الى المنظومة السياسية العربية لتمثلنا كقوة كبيرة
  • يجب في البداية القيام بتنظيم داخلي لقيادة الطائفة بشكل موحد
مجموع المصوتين : 65
X أغلق
X أغلق