موقع هنا, يوم الخميس 25/02/2021, اتصل بنا

الحياة بعد الموت بين عقيدة التوحيد والحضارات

بقلم: الدكتور رضوان منصور,
تاريخ النشر 2021/01/07 20:31:55,
عدد المشاهدات 634

الحياة بعد الموت بين عقيدة التوحيد والحضارات

بقلم: الدكتور رضوان منصور

يتمحور البحث هذا حول موضوع تقمص الأرواح وانتقالاتها كيفما تتحقق في الحضارات وعبرها.

ما هو وجه الشبه وما وجه الاختلاف بينها والى أي مدى نجد تناسق او تفاضل بين ما ورد في الحضارات المختلفة، سيما حضارات الشرق الاقصى وما تنص عليه العقيدة التوحيدية المعروفية في زماننا هذا.

"الروح لا تولد ولا تموت ابدا، ليست اي ابداع كان، لا بداية لها، سرمدية ازلية، تواجدها قديم الزمان، ولا تتلاشى مع فناء الجسد" هذا تعريف أحد أهم كتب الفيدا الهندوسية، حيث ان معنى كلمة الفيدا هو المعرفة او الحكمة، عبارات لها ابعاد تتواصل بشكل او بآخر مع مفاهيم من صلب الديانة التوحيدية المعروفية. تشمل كتب الفيدا هذه مواعظ كريشنا1.

ومن اقوال سقراط "انا على ثقة بحقيقة الحياة المتجددة وان الحياة نابعه من الموت". ارسطو يقول "عندما يصبح الجسد غير صالح للحياة ويموت، تذهب الروح الى الافاق حيث تتقمص جسدًا جديدًا، تدخل فيه عندما يصرخ صرخته الأولى". وفيثاغورس تحدث عن قدرته بان يتذكر حيواته السابقة،

وافلاطون اعطى شرحًا وافيًا عن انتقال الروح ومن ضمن ما قاله بأن الروح الطاهرة تنحدر من مستوى الواقع المطلق بطهره بسبب الشهوة الحسيّه الى جسد ملموس، اما السمو والارتقاء فبعضه في موقع الحياة السرمدية والعكس صحيح، فالروح تنقل من جسد الى جسد اخر الى ان تصل الى درجة السمو والارتقاء.

هذه المعرفة مُستقاة من المعرفة اليونانية القديمة، من حضارة ومذاهب دينية غامضة مثل الأورافية والتي يعتقد البعض انها تجمع بين اليونانية القديمة 2والهندوسية القديمة3, العالم الهلنستي والتراقيون4.

واما عن الديانات العصرية مثل اليهودية والمسيحية والإسلامية فأنها تحتوي على رموز وخيوط جلية تُشير الى مبدأ تقمص الأرواح. هذه الخيوط تتشابك مع نسيج تعاليمهم الدينية على الرغم من تواجد "محترسين" رسميين يستنكرون لها ويتغاضون عن هذه الرموز، على سبيل المثال: المذهب الغنوصي (غنوصي = معرفة) تمت مرادفته عن يد الكنيسة بسبب إيمان منتميه بتقمص الأرواح.

_________________

1. بهغود غيتا 2.20. غيتا هو الكتاب الاهم في كتب الفيدا ويشمل التيارات التفكيرية ومواعظ كريشنا.

.2William, Barid. 2002:393.   Orphism-  الاورافية  .                                                                           

.3 Luther, H. Martin, 1987:102.                                                                                                      

4. Alexander, F. I. History of Humanity:183. بَهغود, غيتا2.13.

   ومن اقوال بوذا: "الانسان مركب من جسد وروح. اما الجسد فيفنى وتبقى الروح... كثير من الاجساد متعذبة هائمة على الأرض حتى تنقى وتكتمل، وتصفو وتتطهر... وحياة الفرد الروحية طويلة والروح بحاجة الى عدّة أجساد كي تتحرر في عالم مملوء بالآلام والآثام... وما الجسد الا وعاء سريع العطب يحمل الروح مدة من الزمن... وحياة الانسان نتيجة لحيواته السابقة...احيانًا مشحونة بالآلام واحيانًا لا.

في كتب الزوهر اليهودية قيل "على الأرواح ان تعود وان تدخل الى الماهية المطلقة التي انبثقوا منها والسعي الى الكمال، حياة بعد أخرى، عليها ان تسمو وترتقي الى ان تصل الى التوحد من جديد مع الباري. وورد عن يوحنا المعمداني ومن اقوال السيد المسيح عليه السلام “ان إيليا يأتي أولًا ويرد على كل شيء ولكنني أقول ان إيليا جاء ولم يعرفوه، بل عملوا به كل ما أرادوا". وورد في انجيل يوحنا "ان الانسان الذي لا يولد مرة ثانية لا يرى ملكوت السماوات" وفي القران الكريم بسورة طه 55 قيل "منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى.. "وفي سوره الزمر6 قال تعالى "يخلقكم في بطون امهاتكم خلقا من بعد خلقه"

وحين نتفقد في العصور ونبحث ماذا قال المفكرون في انتقال الأرواح بعد موت الأجساد، فنجد فولتير يقول بأن عقيدة تقمص الأرواح ليست بسخافة ولا تخلو من الفائدة... وليس مفاجئًا ان نتوالد أكثر من مرة واحدة. ويقول تومس جفرسون بما معناه بان الأرواح تنتقل بدون حدود. وهي تتواجد في امتحان مستمر بين رُقي وهبوط وابتعاد عن الكيان السامي الأعلى. نابليون أيضا آمن بتقمص الأرواح. ويقول تشارلز ديكنس كلما يكون مستحوذا بشعور بانه يقول او يعمل ما قاله او فعله بفترة زمنيه بعيده، غامضة الى حد ما، حيث اننا كنا محاطون بالأوجه بالأوان وبالظروف ذاتها.

 ويقول كريشنا لم يكن زمن به لم اتواجد انا ولا انت ولا الملائكة ولن يتوقف هذا التواجد في المستقبل5 ويقول ايضًا بان الروح لا تنقرض ابدًا6 وهي تنير كنه الحياة في الجسد وهي اليقين. لا هي الجسد ولا قسط منه وهي تحمل معها المعرفة واليقين من جسد الى اخر مثلما يحمل الهواء معه عطورًا وروائحَ مختلفة كما ان الجسد الملموس لا يمكنه الحياة دون الروح. والروح لا تولد ولا تموت، ولا تبلو مع فناء الجسد ومثلما يلبس الانسان ملابس جديدة تاركًا القديمة هكذا تتقبل الروح جسدا ماديًا ملموسًا جديدًا متخليةً على القديم غير المفيد فكل من يولد لا بد له ان يموت وبعد موته يولد من جديد7.

5. غيتا, 2.12.

6. غيتا, 2.17.

. غيتا , 15.8, نهفغاد غيتا,  2.22 .7

وتبقى الروح بدائرة حياة الجسد وموته الى ان ترتقي الى ما فوق الجسد فالجسد بمثابة سجن للروح، الا ان جسد الانسان يُشكل المهرب الأفضل والارقى للروح كي تسمو من بعده الى موقع الارتقاء الذاتي والى تحقيق ذاتها.

والروح قد تنسى بيتها الحقيقي في العالم الروحاني حين تُبقي نفسها في حيز ملذات العالم المادي.

البحوث حول الروح متعددة وقد تطرقت الى مواضيع شتى حولها ومن ضمنها مدى حجم الروح ففي كتابات الفيدا قُيمت حجم وكبر الروح بما يقارب واحد من عشرة الالاف جزء من النقطة الصغيرة.

قسط من الأرواح، هذه الكائنات الحياتية متواجدة في وضعية نسيان تام لحال طبيعتها الروحاني، قسط اخر ما زالت تحمل معها الفهم الحسي لطبيعتها الروحانية والقسط الثالث يبحث عن الكمال الروحاني. والروح ابدية لا تنقرض، لا بداية لها، لا نهاية لا تولد ولا تموت لها من ماهيات الباري، كيان روحاني قد يخطئ ويصل الى أوهام من الطاقة الملموسة.

حين تختفي شهوته الى المتعة الملموسة، يتحرر من جذور أسباب العبودية وحلقات الولادة والموت. فالروح التي تصل الى تحقيق ذاتها وفق ماهية الحياة الحقيقية، تترفع عن الحاجة المادية والجسدية وهناك من يصف حياة الانسان حين تسير الروح وفق قوانين الطبيعة المادية، بأنها تُحتم ان يكون سيدًا وخادمًا فبني البشر في العالم المادي, أشبه بممثلين على منصبة تمثيل ينصاعون الى ارشاد مسؤول أعلى، أحد الممثلين يقوم بتجسيد دور السيد واخر دور الخادم, الا ان الاثنين ينصاعون الى المخرج من وراء العمل المسرحي، هكذا الكيانات الحياتية تخدم صاحبة السلطة الأسمى-الله عز وجل. والنفس مليئة بالشهوات المادية وهي تتقبل اجسادا متنوعة في العالم المادي، من اجل التلذذ والمتعة وتحمل عبئ المتعة وما تحمله في نشاطات مادية.

حين لا يكون بمقدور الانسان تركيز طاقاته وتفكيره في الباري، لا في خدمته ولا في عبادته فانه يضطر الى الدخول في حلقات الولادة والموت. حياته قد تستمر وترتقي وقد تنحدر الى أجساد غير راقية وغير متطورة، فعلى الانسان استعمال تفكيره للوصول الى المعرفة الروحانية وكلما تعمق في ذلك كما حظي بجسد راق أكثر فأكثر والعكس صحيح. قد نفسر هذا المضمون بما هو ظاهر وجلي وقد يكون له تفسير باطني وعميق ففي طريقه الحياة، حياة الانسان قد يكون فيها رقي وسمو وقد يكون هبوط وليست بالضرورة حياة الانسان تهبط الى حياة حيوان، الى نبات الى جماد ثم تستمر وترتقي وفق تهذيب نفسها، على جميع الأحوال التفكير النابع من غرائز حيوانية هو العدو العصيب للكيان الحي فحين يُستَثمر التفكير في الحياة المادية تنتقل النفس الى ما لا نهاية من حلقات انتقال الأرواح. ومن خلال التنور بالمعرفة الروحانية تسمو الى مستوى التحقيق الذاتي.

وما على الانسان سوى أيقاظ وعيه الروحاني من غفوته كي يوقف حلقات انتقال روحه التي تحمل واياها خطورة، وما عليه سوى التفكير كيف بإمكانه العودة الى حياة المتعة الأبدية في العالم الروحاني.

ان مبدأ انتقال الروح وتقمصها يعطينا إمكانية رؤية الحياة بمنظارها الاوسع، من منظار سرمدي. حسب هذا التوجه فحياة الانسان لا تبدأ مع بدء تواجدها وولادتها وهي اشبه بومضة زمنية مارة. قد نري انسان صالحًا صادقًا في أقواله واعماله الا أنه يعاني الكثير، بناءً على حصاد اعمال سابقة في هذه الحياة او ما قبلها. في هذه الرؤية الواسعة عدل كوني به كل نفسٍ مميزة ومسؤولة عن ذاتها وعن تطورها.

وقوانين تقمص الأرواح وانتقالها يعمل دون أي انحياز فهي تعطي كل كيان حي، المصير الذي يحق له وفقًا لأعماله السابقة. فان أهدر الانسان حياته غالية الثمن هذه والتي تستهدف تحقيق ذاتها وطُهرها ونقاوتها، وقام بأفعال ذات طابع حيواني بغريزته مثل الاكل والنوم، وصراع البقاء وما اشبه فقط فان الله سيسمح له بإيجاد نفسه مع حيوانات التي تقوم بالمتعة الحسية غير المسؤولة والتي لا تمنع ما لا يجوز للإنسان فعله، ممنوعات تؤدي الى سمو روحاني.

وتصف كتابات "بعمق" التي تتمركز في الطهر والأخلاق الحميدة وحب الباري، بأن للروح مسارًا غامضًا. هذا الكيان الحي تتعدد اشكاله وينتقل من الكواكب دون انقطاع8، والنفس تحظى بالجسد الذي تختاره وفق تصرفها، اما الموت فهو اشبه بحالة نسيان لحيوات سابقه وفي الأصل كانت كائنًا روحانيًا الا ان شهوتها للتلذذ والمتعة في العالم المادي انزلتها الى الأسفل، بداية في جسد انسان ثم انحدرت الى الحيوان ثم النبات والحيوانات المائية9، فتفكير الانسان وتصرفه يحتم ما يكون جسده التالي. ونصوص الفيدا تصف بتوسع نزاهة الباري تعاليه ورحمته - كريشنا10 الذي يرحم الجميع وهو يجلس في قلوب الجميع، يُعطي كل كيان أن يحقق أحلامه وامنياته. رحمته لا حدود لها وهو يُعطيها دون سبب لمن قد لا يستحقها أحيانا فالباري يحب الكائنات كلها ويعطيها فرصةً بعد فرصةٍ. هو صاحب السيطرة لا بداية له ولا نهاية ورحمته تسع الكون باسره. وهو يحفظ كل حسنة قام بها الكائن الحي ان كانت كبيرة ام صغيرة.

8.سريماد بهغوتم. تعمق، 03.31.44

9.المرجع السابق، 4.29.4.

10.آسر كل قلب، هو علة العلل ومصدر كل شيء الروحاني والمادي. كيانه سامٍ وله عذوبة وجمال لا حدود لها.

والنفس في جسد الانسان تتواجد في وسط سلم التطور اما أن تنحدر الى المادة، وتبقى في حلقة الولادة والموت مرةً بعد أخرى واما تتحرر عن طريق نمو روحاني بمسارِ عملية تناقل الأرواح الى الحياة الأبدية.

والوعي هو شارةٌ من شارات النفس وله تواجد غير متواصل مع الجسد. والنفس النجسة تتقارب من الجسد تتعلق به وتتعاطف معه حتى انها تُحسب انها نتاج الطبيعة المادية.

يمكننا ان نتعلم من الفيدات انه حين تنفصل الروح عن الجسد وقت موته، تنتقل الى جسد ملموس اخر.        والروح هي مبدأ حيائي أساسي. هي ماهية الحياة ذاتها، يمكنها الرؤية، السماع والاستنشاق وكأن لها جميع هذه المهارات وما الجسد الا جثة ميتة.

انتقال الروح تكون بسرعة التفكير حيث ان الوقت الذي يمر من حين ترك الجسد الأول الى حين وصولها الى الجسد الاخر لا تتعدى الصفر من الوقت. ومن اقوال كريشنا "ان من يعرف كنه طبيعة ظهوري وافعالي الساميين، لا يعود الى محور الولادة في العالم المادي فبعد ان يغادر جسده يصل الى المسكن الابدي. وحين وصول الأرواح الطاهرة الأخلاقية الي لا تعود ابدا.

في المسكن الابدي ينقطع مسار العناء وتكون قد وصلت الى ذروة الكمال وهي ذاتها لا تبغي العودة الى العالم المادي، الى الولادة والموت الى المرض والشيخوخة".

ومن النصوص الفيدية نتعلم بأن الارواح التي وصلت الى درجة تحقيق ذاتها, تصمد اماح تجربة الموت دون وجل، وذلك لأنها مترفعة وكأنها منفصلة ذهنيا من الأجساد العشوائية، فالأرواح تعلم بأنها روحانية تحيا حياة ابدية فوق المادية وغير مرتبطة بأي جسد ملموس.

إذًا تتغلف الروح بنفس خفية وبجسد مادي ملموس، الروح هي الأساس والمصدر وبطبيعتها ابدية تحمل وعي ذاتي، النفس اشبه بانعكاس محرف للروح قد صُبغ بمواد غامضة الا ان النفس لا وعي لها، تظهر وكأنها ذات وعي لأنها تعكس الوعي الأصلي التابع للروح. احاسيسنا الاصيلة تنعكس بشكل مشوه في النفس.

وإذا كانت النفس غطاء خفي للروح فأن الجسد غطاء ملموس للنفس، والنفس هي نتاج للوعي المادي والذي هو انعكاس محرف للوعي الروحاني.

وظيفة الجسد والنفس خلق واقعًا مرئيًا للروح الا أن الروح تحمل جسدا لباريها وتهدف إخفاء وتغطية هذه العلاقة اتجاه الباري, بعلاقة تخدم وتحب الباري كي يسمح لها بأن تكون المركز (تقليد للباري) وكل ما يدور من حولها يُعد لسيطرتها ولمتعتها.

في خضم طريقة التفكير الوهمية هذه، تبدأ الروح مسيرتها المادية وتحاول إيجاد سعادتها من خلاله الا أن هذا لا يحقق ذاته.

والموت وفق توجه كتاب الغيتا يصف الموت بعلاقة تعاطف وهمية بين الحياة وبين الجسد الذي هوعديم الحياة. فتجربة الموت والخوف منه تحدث حين يتعاطف الأنا الابدي مع وهم الجسد الفاني وكأنه هو، لهذا فأنه يتواجد في حالة قلق على فقدان تواجده الابدي ثم يوصف الموت في الكتاب ذاته بأن مسار لتغيير الأجساد مثلما يغير الانسان ملبسه من القديم عديم الاعتبار11.

وتسير قوانين الكارما12على الروح, فحين تزهق من مسيرتها في العالم المادي وتكون جاهزة للتنازل عن جسدها للباري تسمو وتطلب رحمته، حينها تقف قوانين الكارما عن عملها وتتقرب من الباري. هذه الروح المحظوظة تتبارك بالعودة الى طبيعتها الأولى وتتحرر من قيود الانتقال اللانهائية.

ان فكرة الحياة بعد الموت منبعثة من ازدواجيه بين الجسد والروح بين المادة والادراك والتفاعل بينهما. الا ان التجربة واضحة تتمثل بعدم التغيير على الرغم من ان الجسد والنفس في حالة تغيير واستبدال مستمرة، من طفل الى بالغ، الى مسن الا ان هذه التجربة الشخصية تُفهم وكأنها واقعية على الرغم من ان الأنا الروحاني كان قائمًا قبل ان يُبدع الجسد ويستمر بالتواجد بعد انحلاله.

ان حياة الانسان تستهدف إيقاف حلقات انتقال الأرواح والعودة الى علاقتها الأولى مع الباري عز وجل. تحرير الكيان الحي الذي يحيا به في حلقات الحياة والموت المتداولة.

والروح الطاهرة ما هي الا شعاع من الروح السامية والشاملة. اما الوجود المادي ففي صِلبه ازدواجية بين فرح وحزن، نجاح وفشل، بين حسنٍ وسيئ ; اما الوجود الروحاني فله طابع مطلق واحد وموحد فالطيب والسيئ ما هو الا طيّب والكلمة الروحانية هي واحدة.

اما عن الموحدين أبناء الطائفة المعروفية فقد اعتنقوا التقمص كعقيدة ثابتة، بها امنوا ان الروح تنتقل من قميص الى قميص، بما معناه من جسد بشري الى جسد بشري اخر وهم لا يعتقدون بالفسخ والرسخ13

___________

11. بهاغود غيتا 2.22 .                                                                                                  

12.الكارما – هي عملية تحرك مكافئة مادية على المستوى الذهني والملموس.

13.الفسخ – انتقال الروح من جسد بشري الى جماد. الرسخ – انتقال الروح من جسد بشري الى جسم نبات. المسخ انتقال الروح من جسد بشري الى حيوان. النسخ انتقال الروح من جسد بشري الى جماد.                                                                                                 

وينكرونه على الاطلاق فمن العدل الالهي ومن الحكمة ان يعاقب على اعماله مَن يفهم ويشعر ومن لا يعرف العذاب ومن يدرك الأسباب فالأرواح خُلقت من نور العقل الفعّال الكلي وبقيت تنتقل من جسد بليٍّ الى جسد مَن ولد من جديد مارة في أدوار التجربة والامتحان14.

والتقمص لدى الموحدين الدروز يميز الجنس, فالذكر يخلق ذكرًا، والانثى تعود انثى كما كانت وهو جزء مهم من اعتقاداتهم الدينية، وهناك من يعرفه بغذائهم الروحي، منه يستمدون احترامهم الى جميع الأنبياء والرسل الابرار الصالحين. والانسان كما يرد في ايمانهم يحمل معه الى العالم نزعتين عند ولادته:

 الأولى نزعة المعرفة التي تدفعه الى التفتيش عن طريق متحررة ...والنزعة الثانية هي نزعة الجهل التي تجره الى الحياة الدنيوية والى العبودية.

ومن اقوال اخوان الصفا في هذا السياق بأن للنفس صفتان تمنعهما من الخير:

انهماكها في الشهوات وامتناعها عن الطاعات. فأن جمحت عند ركوب الهوى وجب كبحها بلجام التقوى. وان حَرفت عن القيام بموجبات الموافقات يجب سوقها على خلاف الهوى...

فمن الواجب كسر ذلك بعقوبة الذّل، بما يذكرها (يذكر النفس الشهوانية) بحقارة قدرها، وخساسة اصلها وقذارة فعلها.

ثم ورد أيضا ان كل من تهذبت نفسُه وزكت اعماله، وحسب افعاله ارتقي في الحياة الفاضلة الى دار الكرامة ومقام الرحمة. وكل من خلد الى الطبيعة الدُنيا، وسكن فيها وانهمك في شهواتها، فهو عند الموت عائد الى دار الهوان ومحل الاسقام في عالم الكون والفساد.

هنا نرى ان عنصر الرُقي هو عنصر مركزي في الايمان التوحيدي رقي الروح الى الأسمى حتى تصل الى دار الأمان متحررة من قيود الموت والولادة الدنيوية.

من هنا يمكن ان نستخلص بانه قد تكون ابعادًا عميقة وباطنية للحضارة التي تؤمن بالرسخ وبالنسح وبالمسخ بها تدور الروح على محور الاتقاء والانحدار وليس بالضرورة حسب المفاهيم الظاهرة فقط، فانتقال الروح الى حيوان او جماد او نبات بمثابة رموز باطنية لكيفية الارتقاء والانحدار من خلال كون الروح تنتسخ من انسان الى انسان، رقيها وانحدارها قد يكون معنويا ميتا فيزيائيًا.

14. طليع, امين, 2001.

في خاتمة البحث هذا، نرى ان التقمص عقيدة ومبدأ له مرد في الكتب المقدسة، يظهر في مضامين الحضارات القديمة وفي معتقدات الشعوب القديمة والحديثة، يتباحثه العلماء الزمنيّن والروحيين ويتعمق به الحكماء والفلاسفة، كلها تصب في خانة صحة هذه العقيدة وحقيقتها اما أوجه الاختلاف فتتمحور حول تفاسير واجتهادات ظاهرة او باطنة.

 

تعليقك على الموضوع
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.

استفتاء هنا

انتخابات للكنيست ال 24 الشهر القادم وتسعة مرشحين دروز..هل شتشارك بالانتخابات؟
  • نعم
  • لا
  • لم اقرر بعد
مجموع المصوتين : 21
X أغلق
X أغلق