موقع هنا, يوم الأربعاء 16/10/2019, اتصل بنا

عندما يتقمص المثقف دور المصلح والمرشد لمجتمعه

د.محمد شنان,
تاريخ النشر 2019/06/16 15:05:01,
عدد المشاهدات 389

اسوةً بالتعبير الأفلاطوني يمكننا الادعاء بان التغيير العميق والجذري لواقع معين سياسيا كان أو اجتماعيا أو ثقافيا أو حتى دينيا نادراً ما يمكن ادراكه من خلال صراعات طبقية وفئوية وانما التغيير المنشود غالبا ما يبدأ من داخل الطبقة الحاكمة. من هنا إذا كان هدف مشروعنا الاساسي يبدأ ضرورةً في محاولة تغيير للمفاهيم والآراء السائدة التي تشكل عائق كبير امام تقدمنا وتحررنا الفكري فانه ينبغي علينا أولاً وقبل كل شيء البحث عن تلك الشريحة أو الفئة التي يمكن اعتبارها بمثابة السلطة الحاكمة والشرعية لمجالات الفكر المتعددة. أي السلطة التي من المفروض أن يكون لها الدور والاثر الأساسي والمؤثر على مفاهيم البشر وأفكارهم.

فإذا بحثنا عن وجود مثل هذه السلطة بين جميع شرائح المجتمع ومكوناته فإننا لن نجد ضالتنا الا عند شريحة المثقفين والنخبة المثقفة (بالطبع لا تشمل انصاف المثقفين وما اكثرهم هذه الأيام خصوصاً في عصر شبكات التواصل الاجتماعي) كونهم الوحيدين الذين يملكون الأدوات والوسائل اللازمة والضرورية التي تعطيهم القدرة وتؤهلهم على القيام بضخ أفكار جديده تقدمية وطلائعية لباقي شرائح المجتمع هذا من جهة، والعمل على تفنيد ووأد لمفاهيم وأفكار باليه ومعطلة لحركة المجتمع وتقدمه من جهة اخرى.

فالمثقف يمكنه أن يظهر بأوجه متعددة وبأدوار مختلفة منها الدور السياسي أو الديني او الأكاديمي وغيرها من الأدوار المركزية التي لها تأثير عميق على حياة البشر. وفي جميعها يكون بمثابة الطبيب المعالج الذي يستطيع بفكره الثاقب وبصيرته النافذة أن يقوم بتشخيص دقيق وسليم للأزمات والامراض الاجتماعية المختلفة والمزمنة ومن ثم المباشرة في علاجها بإصرار وثبات وشجاعة. 

فكما هو الحال في المدينة الفاضلة التي دعا اليها افلاطون من خلال جمهوريته الشهيرة، حيث يكون فيها الحكم المطلق لطبقة مستبدة وعادله وذالك منعاً لحدوث الانشقاقات السياسية والاجتماعية بين أفرادها بحيث تبقى فيها الحياة آمنه ومستقرة، فكذلك وعلى نفس النمط وبذات المنوال فأنه ومنعاً لحدوث أي نوع من ظواهر التفتت الأخلاقي والاجتماعي ولأجل التصدي لها في كل مكان وزمان، يتوجب أن يبقى صوت المثقفين والنخبة يكاد يكون الوحيد المسموع والطاغي والحاسم لكونهم أصحاب السلطة الثقافية والفكرية.

بالطبع طبقة النخبة تلك هي بعيدة كل البعد من أن تكون مجرد شريحة أو فئة مغلقه ومحدده او مؤدلجة اي غير قابله للتغيير أو التجديد والانفتاح وإلا لتعطلت فاعليتها واعتراها حالة من العقم، بل حرياً بها أن تكون دائمة التجدد والتنوع. ومن نافلة القول الادعاء أنه إذا تم حصرها في مجموعة قبلية أو تنظيم أيديولوجي أو طائفي أو مذهبي أو طبقة اجتماعية معينه نكون قد أخطأنا الهدف حيالها.

فالمفروض أن تكون مهيئه تماماً لاستيعاب معظم أصحاب ورجالات المعرفة وجهابذة الفكر من مثقفين وأكاديميين ورجال دين وسياسة وحتى أصحاب حرف دون تطرق او اهتمام لتوجهاتهم الأيدلوجية ومعتقداتهم وميولهم الشخصية كون أن ما يهمنا حيالهم هي تنظيراتهم الموضوعية وحلولهم واقتراحاتهم المستوحاة المنبثقة من تحليلهم المنطقي وفضائهم المعرفي إزاء الأمور والإشكاليات والقضايا التي تخص الشأن العام.

فلا يهمنا في هذا الموضع الشخص من حيث انتماءه الديني أو القبلي أو العرقي وكذالك من حيث طبيعة عمله أو نشأته أو تحصيله المدرسي والأكاديمي. بل ما يهمنا حقاً هو مدى اطلاعه على حقائق الأمور وقدرته على التمييز والتحليل الموضوعي للقضايا الاجتماعية وإشكالياتها الملحة وتعقيداتها ووعورة مسالكها، وكذلك مدى وعيه الثقافي والسياسي والاجتماعي ومقدرته على الابتكار والإقناع والتنظير لأفكار ومفاهيم تقدميه فعالة تعجل من حركة المجتمع وتعمل على توجيهه نحو مستقبل وواقع أفضل.

جميع هذه الشروط المتوخاة من رجل الثقافة والمجتمع من الضروري جداً أن تكون مقرونةٌ أولاً وقبل كل شيء بشرط اساسي وبديهي لا غنى لنا عنه، هو ذلك المتعلق بموضوع الأخلاق، أي حجم مخزونه الأخلاقي نسبة الى المعايير الأخلاقية الدارجة والمتبعة في محيطه الاجتماعي، ذالك بغض النظر عن قوة فكره ونجاعته ومدى اطلاعه او تعمقه، فمن دون تحقيق لمستوىً أدنى من حيث نزعته الأخلاقية لا يمكننا بأي حال من الأحوال القبول أو الاعتراف به مشرعاً أو مصلحاً اجتماعيا.

عندما نقول شريحة النخبة والمثقفين فإننا لا نقصد بذالك أن ما يقابلها هو القطيع أو الغوغاء أو الطبقة الأدنى وغيره من هذا الكلام التافه الذي ليس له اية قيمة او معنى، وانما على العكس تماما فالمقصود هنا بالنخبة بكونها التربة الخصبة ومنبت العقول المثمرة التي من المفروض أن ينمو من خلالها أصحاب القدرات والهمم الفكرية والثقافية العالية من عامة المجتمع. فكلما زادت هذه التربة من خصوبتها ونجاعتها كلما أنتجت لنا رجالات فكر وثقافة وسياسه وتربيه واقتصاد الذين هم حجر الأساس لمكونات البنية الفوقية في مجتمعاتهم. فالنخبة من خلال هذا التوجه تعتبر الآداه المثلى والمطية الأئمن كونها واحده من اهم الموارد البشرية التي تملكها المجتمعات والتي يتم استغلالها من قبل طبقة الأم الحاوية لسائر شرائح المجتمع لأجل بناء الحضارات والنهوض بنفسها لواقع أفضل.

 

تعليقك على الموضوع
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.

استفتاء هنا

هل توئيد زيارات المشايخ الى المقامات المقدسة الي سوريا؟
  • نعم
  • لا
  • لا اعرف
مجموع المصوتين : 159
X أغلق
X أغلق