موقع هنا, يوم الأربعاء 16/10/2019, اتصل بنا

فشل مجابهة قانون القومية والوقوع في فخ الحقوق

د.محمد شنان,
تاريخ النشر 2019/05/26 07:53:43,
عدد المشاهدات 632

ما من شك ان قانون القومية العنصري يعتبر من اهم التحديات المهددة لوجودنا في هذه البلاد في العقود الاخيرة وخصوصاً منذ الإعلان عن تأسيس دولة إسرائيل. هذه البلاد التي هي في واقع الامر ارض ابائنا واجدادنا واجداد اجدادنا. وكي نستطيع مواجهته بعزم وحنكه حري بنا ان نعي الابعاد الحقيقية لهذا القانون وحقيقة خطورته وأين تكمن اخفاقاتنا في مواجهته حتى هذه اللحظة.

في سبيل ذلك علينا اولاً الوقوف على دلالات لمصطلحين اساسيين في هذا المضمار بحيث انه إذا تمكنا من فهم جوهر هذه الدلالات الاصطلاحية حق فهم لربما تبينت لنا الصورة كاملة بحيث تكون أكثر وضوحاً. وهما مفهوم المواطنة في دولة المواطنين ومفهوم الدولة القومية (المرجع الأساسي لقانون القومية العنصري) والفرق بينهما.

اولاً دولة المواطنة -لكل المواطنين:

المواطنة هو مصطلح حديث العهد كونه ولد مع بزوغ عصر الحداثة وقد ساهم كثيراً في تطور المجتمع الانساني. وتعتبر المواطنة بمفهومها العصري من اهم مستخرجات الثورة الفرنسية والعقد الاجتماعي كونها ساهمت كثيراً في تثبيت الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية للفرد او للمواطن. نستطيع القول ان المواطنة قد عرّفت من جديد علاقة الحاكم والمحكوم واكسبتها مضمونا اضافياً عندما حولتها من علاقة سيد ورعايا كما كان الوضع ابان سلطة الكنيسة الى دولة قانون ومواطنين متساوين امام هذا القانون والذي لا يسري على المواطن فقط انما ايضاً يسري وبنفس المقدار على الحاكم ذاته.

إن المواطنة مأخوذة من كلمة وطن أي موطن الانسان ومقر انتماءه حيث يشعر بالكرامة والحماية ويبادل هذا الشعور بالوفاء والإخلاص له. فالمواطنة تحوي في جوهرها ثلاثة مضامين أساسية، المضمون الأول والاهم هو موضوع الانتماء اي انتماء الانسان لأرضه التي ورثها عن ابائه واجداده، اما المضمون الثاني فهو موضوع الحقوق والمساواة وأخيرا مضمون الواجبات. إذا دققنا في هذه المضامين الثلاثة وتفحصناها جيداً فحينها يصبح بمقدورنا ان نعي مدى خطورة قانون القومية وخبث مقننيه وعنصرية واضعيه كونه لم يأتي ليسلبنا حقوقنا المدنية فقط (التي هي اقل أهمية بكثير اسوة بمضمون الانتماء وسأسهب حيال ذلك لاحقاً) بل هدفه بالأساس أعظم وأخطر وأعمق من ذالك بكثير كونه يطمح لسلب انتماءنا التاريخي والثقافي والديني والسياسي لأرضنا التي جبلنا من اديمها وتعفرنا بغبار ترابها كل ذلك تحت ذريعة اننا لم نولد لام يهودية (يا سلام)، هذه الارض التي هي ارض اجدادنا واجداد اجدادنا منذ فجر التاريخ.

هذه هي إذن خطورته المضمرة التي تعني بالحقيقة اننا مجرد ضيوف في هذه البلاد اتينا من مكان ما في هذه العالم او خارجه (لا أحد يعلم ما هو هذا المكان ربما الجزيرة العربية ربما القارة الأوروبية او أمريكا او أنتاركتيكا او سطح القمر او حتى المريخ لا يهم)، المهم اننا اتينا من بلاد غير هذه البلاد ولذا علينا آجلا ام عاجلا (وحبذا لو يكون عاجلاً) ان نعود من حيث اتينا.

بالأخير يخرج علينا قوم منتفعين متحذلقين او ربما ساذجين، هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا وينطقون باسمنا ليحاولوا اقناعنا وإقناع العالم ان الموضوع مجرد إشكالية بسيطة تقتصر فقط على بعض التصحيحات والفذلكات اللغوية اللطيفة ( nuances, ניואנסים) وذلك من خلال التذاكي القانوني واللعب بالألفاظ فيما يخص كلمة مساواه واهمية وجودها او عدم وجودها في نص القانون بعيدا كل البعد عن التطرق لجوهر هذا القانون العنصري وروحه الاقصائية ونزعته الاختزالية وتطلعاته الاستعلائية إزاء أصحاب الأرض الاصليين كما نوهنا للتو (يعني بصريح العبارة الجماعة مستهبلينا).

ثانياً الدولة القومية - من دولة المواطنين التي تشملنا الى الدولة القومية التي تخص اليهود فقط:

كما أشرنا في البند السابق إزاء المضامين الثلاثة لمفهوم المواطنة، فهي تعتبر بالأخير الأسس الرئيسية لنشوء دولة الحق والعدل والتي من المفروض ان تسري على كل مواطن بغض النظر عن انتمائه العرقي او الاثني او الديني او العقائدي وهلمجرا. فعلى سبيل المثال فرنسا ليست بدولة للمسيحيين الكاثوليك فقط وسوريا ليست بدولة للمسلمين السنة فقط وروسيا ليست بدولة للمسيحيين الأرثدوكس فقط وكذالك إسرائيل لا يجب ان تكون دولة اليهود فقط دون سواهم بل دولة لجميع مواطنيها. فالمواطنة هي عقد بين الدولة والمواطن توفر له الحماية وترتب له حقوق وواجبات بغض النظر عن العرق او الديانة.

ومن هنا كانت الحاجة لأولئك العنصريين بابتكار قانون اساسي جديد بغية التكالب على أصحاب الأرض، ومن اجل افراغ مفهوم المواطنة من مضامينه الثلاثة التي أشرنا اليها وخصوصاً موضوع الانتماء للأرض كان الإعلان عن إقامة الدولة القومية من خلال التصويت والمصادقة على قانون القومية العنصري.

اما ما يبعث حقيقة على السخرية هو انه في الحالة الدرزية فان قانون القومية لم ينتزع مواطَنَتهم بشكل كلي بل أبقي لهم على بند الواجبات بعد ان تم تجريدهم من الانتماء والحقوق (عموماً لهم جزيل الشكر على هذه اللفتة الكريمة). هذا بالطبع مع وجود قطاعات واسعه من المجتمع الاسرائيلي الذين يحفظ لهم قانون القومية مبدأ الانتماء والحقوق بالرغم من كونهم لا يقومون بواجبهم الوطني مثل الخدمة العسكرية وغيرها (يا لسخرية القدر).

ففي دولتهم القومية كل من يولد لام يهودية في أي مكان في اصقاع العالم (وحتى في الفضاء الخارجي) يعتبرونه مواطن مرغوب فيه ومرحب به، ومن ليس كذالك فهو من الجاليات المؤقتة الذين ليس لهم انتماء او صلة بهذه الأرض كونهم مجرد دخلاء نستقبلهم مؤقتاً ونتكرم عليهم ببعض الحقوق (والبعض نطالبهم بالواجبات) الى ان يحين الوقت المناسب فحينها نطالبهم بالرحيل والرجوع من حيث جاؤوا.

 ما من شك ان مثل هذا القانون العنصري بمقياس المفاهيم العصرية يعتبر مجرد بدعه سياسية فعدى عن انه يضرب بعرض الحائط كل القوانين والأعراف الدولية ويناقض اسس العلوم السياسية الحديثة وكذلك يتجاهل كلياً موضوع حقوق الانسان ويحط من كرامته (قانون مجحف بحق السكان الأصليين اللذين من المفروض أصلا ان تكون لهم حق الأولوية)، فان دولتهم القومية هذه (التي لا يعتبروننا جزءاً منها) تنقصها شرطها الأساسي وهو انعدام التوافق ما بين حدودها الثقافية وحدودها السياسية.

واخيراً وليس آخراً -  إخفاقات المحتجين

كما هو معلوم فإن مطالب المحتجين منذ البداية اقتصرت على مبدأ المساواة بالحقوق (وليست الحقوق كاملة وأحيانا انخفض مستوى المطالب لمجرد ظهور كلمة مساواة داخل نص القانون) مع الإبقاء على كل الواجبات ومن ضمنها الخدمة العسكرية دون التطرق بتاتاً للمبدأ الأهم الا وهو موضوع الانتماء الذي هو جوهر هذا القانون العنصري والذي يهدف بالأساس الى الغاء ارتباطنا التاريخي والثقافي والديني بأرض الأجداد. وأقول أكثر من ذالك ان المساواة هي بالأصل ممارسة وليست تنظير بما معناه انه حتى لو وجدت كلمة مساواة نظرياً داخل النص فان الواقع سيبقى كما هو عليه اليوم من اجحاف وتمييز عنصري وانتهاكات لحقوق وغيرها كوننا بالأخير نعيش داخل مجتمع هو بالأساس عنصري بأفكاره ومفاهيمه ووجود كلمة مساواة او عدم وجودها في هذه الحالة لا تعني شيء.

اذن بهذا المعنى فان المحتجين قد اقتصرت مطالبهم على مبدأ نيل المساواة لبعض الحقوق (التي لا ولن تتحقق على ارض الواقع بل ستبقى مجرد كلام) مقابل الاعتراف بالدولة القومية (على حساب دولة المواطنة) هذه الدولة التي لا تعتبرهم جزء منها وتعمل على اقصائهم كليا. (هذا الامر برأيي ينم عن احدى حالتين واقولها بكل اسف وهي اما سذاجة وعدم فهم لأبعاد القانون وخطورته واما هو موضوع غايات انتهازية ومصالح شخصية على حساب المصلحة العامة).

رب قائل يقول ما دامت الحقوق موجودة (هذا إن وجدت) فلست ابالي بموضوع الانتماء (للذين لا يفقهون حقا مدى أهمية الانتماء ورمزيته) فأقول لهم التالي: ان قانون القومية لم يأتي لضربنا نحن بل لضرب الأجيال القادمة من ابناءنا واحفادنا الذين لن يغفروا لنا والتاريخ ان مررنا عليه مرور الكرام. فنحن اليوم اذ نحارب ضد تقنينه وتشريعه فهم غداً سوف يحاربون ضد ممارسته على ارض الواقع وحينها سيكون الوقت متأخر جداً. فاذا فشلنا اليوم في الغائه هم الذين سيدفعون ثمن ذلك غداً وسيكون ثمناً باهضاً خصوصاً وان جميعنا اليوم نعي جيداً ماذا يعني تطبيق هذا القانون وممارسته على ارض الواقع.

تعليقك على الموضوع
هام جدا : ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.

استفتاء هنا

هل توئيد زيارات المشايخ الى المقامات المقدسة الي سوريا؟
  • نعم
  • لا
  • لا اعرف
مجموع المصوتين : 159
X أغلق
X أغلق